الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
44
نفحات الولاية
الاستغراق في ذات اللَّه ، من الأصول الأساسية في الأبحاث ذات الصلة بمعرفة اللَّه . وذلك لأنّ الأول يقود الإنسان إلى الإيمان والتوحيد ؛ التوحيد المفعم بالعشق والحب والاخلاص ، بينما يسوقه الثاني إلى الشرك والتشبيه . أمّا سائر الأدلة والبراهين في معرفة اللَّه من قبيل برهان الوجوب والإمكان والغنى والفقر التي تدور حول محور الدور والتسلسل ، فهي دلائل جافة توصل إلى المعرفة إلّاأنّها لا تختزن أي حب أو عشق وإخلاص . والحال لم يقم نظام الخلق سوى على هذه المفردات . فقد جاء في الحديث القدسي : « كنت كنزاً مخفياً فأجببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف » . فإذا فكرنا بعظمة السماوات والكواكب التي تربو على الملايين في مجرتنا فقط والحال يقول العلماء بوجود ملياردات المجرات في هذا العالم . وإذا أمعنا النظر في العالم المذهل لخلايا جسم الإنسان والذي تمتاز كل خلية فيه بان بنيتها قد تنطوى عليه مدينة صناعية من الخفايا والأسرار . وعندما نتأمل التنوع العجيب للنباتات والحيوانات ، وأنّ هناك الملايين من أنواع النباتات والحيوانات التي تعيش في أعماق الغابات والبحار والتي لم يراها أو يتوصل إليها الإنسان لحد الآن ، ونقر بأنّ هذه الموجودات العجيبة إنّما تستمد حياتها من موجودين بسيطين هما الماء والتراب . وأخيراً حين نتدبر روعة الورود والأزهار ولطافة الأوراق ودقة نظام الدورة الدموية . وعمل الأوردة والشرايين المخ والدماغ وايعازات الأعصاب ، ثم نلتفت إلى أنّ كل هذا ليس إلّاجانباً من عجائب عالم الخلقة ، لا نملك سوى الالتحاق بقافلة هذا العالم ومشاركتها التسبيح والتقديس والحركة نحو اللَّه ، ونحن نردد ما يردده الملأ الأعلى « سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا » « 1 » و « رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا » « 2 » وقلوبنا مقعمة بحب اللَّه والإيمان به والخشوع له والتواضع أمام عظمته وجبروته . وعبارات الإمام عليه السلام المارة الذكر إشارة عميقة إلى هذه الحقائق .
--> ( 1 ) سورة البقرة / 32 . ( 2 ) سورة آل عمران / 191 .